محمد طاهر الكردي

465

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

المثل السامية على حسن السلوك وكمال الاستقامة راهب بالليل وقائم بالعدل في النهار ، وفيما بين ذلك ناسخ للكتب ينقلها ويبيها للناس ، ليأكل من ثمنها ويتحرى حقوق المسلمين في البيت وفي الطريق وفي نفسه وأهل بيته ومع ذلك يطاوله الوزير ابن الصايغ لحمله على أن يقدمه على نفسه في الرسائل الرسمية فيأبى حماس ويرفض أن يتوج كتبه بذكر اسم الوزير ويصر على أن يقول : « من قاضي القضاة حماس بن مروان إلى الوزير ابن الصايغ سلام اللّه وبركاته ويليه الخ . . » . وهنا ينقلب التواضع إلى ثورة وشمم وتحدي صوتا لناموس القضاء وذودا عن كرامته وحرماته . هذا هو القاضي الإفريقي الأنزه حماس بن مروان الذي وجد أحد زائريه قطعة نقد فضية في سقيفته ، فسلمها إليه فأرجعها إليه حماس قائلا : ما يملك حماس ولا آل حماس صفرا ولا بيضا . وهذا هو الذي ميز بعض كتبه ووضعها في مكان خاص وقال لابنيه سالم ومحمد : « إذا مت فبيعا هذه الكتب وجهزاني منها ، لأني نسختها بخطي ، وأبقيت عليها ليوم موتي » . وهو تلميذ سحنون وعن مدرسته تخرج في العلم وأخذ الزهد والسلوك عن جبلة بن حمود ومدرسته . وبصفة منشور الولاية الذي أصدره زبادة اللّه بن الأغلب ، بأنه « أولاه القضاء لرأفته ورحمته وعلمه بالكتاب والسنة » . رحمه اللّه وأعظم أجره ورفعه إلى مقام الصديقين والشهداء والصالحين وألهمنا الاقتداء بصلابته وورعه . وأن نتحمس لما كان عليه حماس من خلال وسجايا فنكون أهلا لميراث أمجاده واستقبال إيحاءاته وإمداده . إنه سميع مجيب . انتهى من الكتاب المذكور . سيرة القاضي سحنون رحمه اللّه تعالى وجاء في الكتاب المذكور ما يأتي : قال القاضي عياض يروي هذا المجلس التاريخي : دخل على سحنون أحد رجاله وهو في مجلس قضائه وأعلمه بأن القائد ابن الربيع قائد جيوش الأقاليم الجنوبية ، جاء تعلو هامته أكاليل النصر ، وتدق من حوله الطبول والجيش يهتف باسمه هتافا يصم الآذان ، والغنائم والتحف النادرة